علوم.ثقافة.طب.صحة......قصائد.خواطر.............

    الاصلاحات الجبائية في الجزائر بعد 1993

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات: 37
    تاريخ التسجيل: 11/02/2010

    الاصلاحات الجبائية في الجزائر بعد 1993

    مُساهمة  Admin في الأربعاء فبراير 17, 2010 10:04 am

    :

    تسعى الدولة الجزائرية الخروج من التخلف وتحقيق تنمية شاملة متعددة الجوانب، وذلك باستخدام عدة وسائل من بينها الضريبة، باعتبارها أداة تساهم في الإنعاش الإقتصادي والإجتماعي، كما أنها تشكل أهم مصدر لتمويل خزينة الدولة كون أن التمويل الخارجي يهدد الإستقلال الإقتصادي والمالي للجزائر.

    تشكل فعّالية النظام الضريبي إحدى الإهتمامات الرئيسية لدى صانعي القرار في السياسة الإقتصادية حيث بقدر ما يكون النظام الضريبي فعّالا بقدر ما تكون الإنعكاسات إيجابية على الإقتصاد الوطني. ويشكل مستوى فعّالية النظام الضريبي المحدد الرئيسي لمدى قدرته على تحقيق أهدافه، ولما كان النظام الضريبي يعمل ضمن متغيرات كثيرة فإن فعّالية هذا النظام تتوقف على طبيعة النظام الضريبي في حد داته وكذا على طبيعة العوامل الأخرى .

    لقد أدرج النظام الضريبي الجزائري في منطق الإصلاحات المنتهجة في بلادنا والتي تقوم على أساس عقلنة الآداء الإقتصادي والتعامل مع منطق السوق الحر قصد تكييفه مع الواقع الجديد وزيادة فعّاليته، فقد شهد النظام الضريبي عدة تعديلات منذ الإستقلال خاصة في سنة 1992م . في هذا السياق نطرح السؤال الجوهري التالي : ما مدى فعالية النظام الضريبي الجزائري ؟ و لمعالجة هذا الإشكال سنستعرض العناصر التالية :

    - علاقة النظام الضريبي بالنظام الإقتصادي

    - مقومات فعالية النظام الضريبي

    - تشخيص فعالية الضرائب الجديدة للإصلاح الضريبي

    - ترقية فعالية النظام الضريبي الجزائري

    أولا : علاقة النظام الضريبي بالنظام الإقتصادي

    يتمثل النظام الضريبي في مجموعة القواعد القانونية والفنية التي تمكن من الإقتطاع الضريبي في مراحله المختلفة إنطلاقا من تحديد المادة الخاضعة للضريبية ثم حساب قيمة الضريبة وأخيرا عملية تحصيلها وهو ما يعرف بالتنظيم الفني للضريبة. أما المفهوم الواسع للنظام الضريبي فيتمثل في مجموع العناصر الايديولوجية والاقتصادية والفنية التي يؤدي تراكبها معا وتفاعلها مع بعضها البعض إلى كيان ضريبي معين، وفي هذه الحالة يصبح النظام الضريبي الترجمة العملية للسياسة الضريبية، ومن ثم يعتبر النظام الضريبي مجموعة محدودة ومختارة من الصور الفنية للضرائب تتلاءم مع الواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للمجتمع وتشكل في مجموعها هيكلا ضريبيا متكاملا يعمل بطريقة محددة من خلال التشريعات والقوانين الضريبية واللوائح التنفيذية من أجل تحقيق أهداف السياسة الضريبية (1)، وعلى هذا الأساس يرتبط النظام الضريبي إرتباطا وثيقا بالسياسة الضريبية للمجتمع حيث أنه صياغة فنية لها ويصمم من أجل تحقيق أهدافها، وتعتبر السياسة الضريبية للمجتمع جزءا من سياسته الاقتصادية وهي مجموعة البرامج المتكاملة التي تخططها وتنفذها الدولة مستخدمة كافة مصادرها الضريبية الفعلية والمحتملة، لإحداث آثار إقتصادية وإجتماعية وسياسية مرغوبة، وتجنب آثار غير مرغوبة للمساهمة في تحقيق أهداف المجتمع (2)، وقد تترجم السياسة الضريبية بعدة نظم ضريبية، لذا فإن إختلاف النظم الضريبية بين الدول قد لا يعني إختلاف السياسة الضريبية لهذه الدول، من جهة أخرى فإن النظام الضريبي الذي يصلح لتحقيق أهداف نفس سياسة ضريبية معينة في مجتمع معين قد لا يصلح لتحقيق أهداف السياسة الضريبية في مجتمع آخر حيث رغم تشابه الأهداف الاقتصادية والسياسات الضريبية بين الدول، إلا أننا قد نجد إختلافات جوهرية في مستويات التقدم الاقتصادي والهياكل الاقتصادية والايديولوجيات والعادات والثقافة.

    يعتبر النظام الضريبي جزء من النظام المالي وهذا الأخير هو بدوره جزء من النظام الإقتصادي، أي أن علاقة النظام الضريبي بالنظام الإقتصادي هي علاقة الجزء من الكل، ولا يوجد النظام الضريبي في فراغ بل يوجد ضمن نظام إقتصادي وإجتماعي وسياسي معين ويقتضي ذلك ما يلي :

    - يجب أن يكون النظام الضريبي إنعكاسا للنظام الإقتصادي والإجتماعي والسياسي الذي يقوم فيه.

    - يختلف النظام الضريبي من دولة إلى دولة أخرى تبعا لاختلاف طبيعة النظام الإقتصادي القائم في الدولة، كما يتغير النظام الضريبي في الدولة الواحدة عبر الزمن مع تغير أوضاعها الإقتصادية.

    ويقوم النظام الضريبي على أساس المعطيات التي تشكل النظام الإقتصادي والإجتماعي والسياسي، ويترتب على كون النظام الضريبي جزءا من النظام الإقتصادي ضرورة إنسجام وتوافق وتنسيق بين السياسة الضريبية ومختلف أشكال السياسات الإقتصادية - نقدية، صرف، أجور-، وتعتبر الضريبة متغيرا إقتصاديا تستعملها الدولة كأداة للمساهمة في تحقيق أهداف النظام الإقتصادي وكأداة للضبط الإقتصادي.

    ويعتبر النظام الضريبي دالة لمتغيرين أساسيين هما: (3)

    - نوع النظام الإقتصادي والإجتماعي السائد، من حيث كونه رأسماليا أم اشتراكيا، وميكانيكية تشغيله، من حيث كونها قائمة على آليات السوق أم التخطيط الشامل.

    - درجة التنمية الإقتصادية معبرا عنها بمعدل وطبيعة النمو الإقتصادي من حيث التعبير عن إقتصاد متقدم أو إقتصاد متخلف أو نامي.

    يتضح مما سبق وجود علاقة عضوية بين النظام الإقتصادي والنظام الضريبي، لذا فإن أي مراجعة في النظام الإقتصادي تستدعي بالضرورة مراجعة في النظام الضريبي الذي يجب أن يهدف إلى تدعيم الفعّالية الإقتصادية.

    ثانيا : مقومات فعالية النظام الضريبي

    نقصد بفعّالية النظام الضريبي مدى قدرته على تحقيق أهدافه بشكل متوازن حيث أن تلك الأهداف قد تتعارض فيما بينها، فالهدف المالي للضريبة قد يتعارض مع الهدف الإقتصادي نتيجة تدعيم الدولة لبعض القطاعات من خلال إعفاءها كليا أو جزئيا من الضريبة أي أن الدولة قد تضحي بالهدف المالي لتحقيق هدف إقتصادي ما، كالتوازن الجهوي. كما قد يتعارض الهدف المالي مع الهدف الإجتماعي، بحيث المشرع الضريبي يراعي الوضع الإجتماعي للأفراد من خلال إعفاء الأفراد ذات الدخل المنخفض وإختلاف المعاملة الضريبية للأفراد حسب الوضع المالي والإجتماعي، وذلك من أجل تحقيق التضامن الإجتماعي. ونتيجة تعارض أهداف النظام الضريبي يتعين على المشرع الضريبي أن يحدث تقارب وتوازن فيما بينها على ضوء الأولويات والظروف المحيطة به. ولتحقيق فعالية النظام الضريبي يجب مراعاة الإعتبارات التالية :

    1/ إحترام المبادئ الضريبية

    إن إعتماد الدولة على الضرائب كوسيلة تمويلية من جهة و أداة للتدخل الإقتصادي والإجتماعي من جهة ثانية، وكون الضريبة فريضة إجبارية لا خيار للمكلف في فرضها وتحديد مواعيد دفعها، لذلك إستدعى وجود مبادئ يجب مراعاتها عند وضع أي نظام ضريبي فعّال، وتهدف هذه المبادئ إلى التوفيق بين مصلحة الدولة ومصلحة المكلفين . و تتمثل هذه المبادئ فيما يلي :

    • مبدأ العدالة

    تعتبر العدالة الضريبية من أهم خصائص النظام الضريبي الفعّال والتي يسعى المشرع الضريبي تحقيقها عند صياغة أي نظام ضريبي، ومفهوم العدالة هو مفهوم نسبي قد يختلف في تفسيره من شخص إلى آخر، إذ يتوقف ذلك المفهوم على الفلسفة الإجتماعية السائدة في المجتمع، كما يوجد عدة صعوبات في تحقيقها، وذلك لصعوبة قياس أثر الضريبة بالنسبة لكل مكلف وعدم إمكانية تعيين عبء الضريبة الواقع عليه بالدقة، إذ قد يختلف العبء النفسي للضريبة من شخص إلى آخر حسب تقديره لجدوى الإنفاق العام.

    نتيجة لما سبق فإن مبدأ العدالة غير قابل للتحقيق بشكل كامل، لذا فإن الحكم على النظام الضريبي يكون بمدى تحقيقه للعدالة وليس بكونه عادلا بشكل تام.

    وتتدخل الدول المعاصرة بواسطة الضريبة للتعديل في توزيع الدخول والثروات لتحقيق العدالة الإجتماعية، وبذلك أصبحت العدالة الضريبية أحد أهداف النظام الضريبي إلى جانب أنها أحد مبادئه الرئيسية.

    و يقصد بالعدالة الضريبية التوزيع العادل للأعباء الضريبية بين أفراد المجتمع حسب مقدرتهم التكليفية. و لتحقيق ذلك يجب مراعاة الإعتبارات التالية :

    - تطبيق الضريبة التصاعدية

    - تطبيق الضريبة الشخصية

    - مراعاة طبيعة مصدر الدخل

    • مبدأ اليقين ( الوضوح )

    يجب أن تكون الضريبة محددة تحديدا واضحا دون أي غموض، فمن الأهمية أن يعلم المكلف بالضريبة مدى إلتزامه بالضريبة و قيمتها وكيفية ومواعيد دفعها وجزاءات التخلف عن أدائها، وذلك حتى يعلم المكلف بواجباته الضريبية، ومن ثم يستطيع الدفاع عن حقوقه ضد أي تعسف من جانب إدارة الضرائب. أما إذا لم يتحقق ذلك الوضوح فإن المكلف سوف يكون عرضة للإجحاف والإستغلال من طرف إدارة الضرائب، فحسب آدم سميث فإن عدم التأكد في الضرائب يشجع التعسف والرشوة، ويعتبر آدم سميث مبدأ اليقين مهم جدا حيث يرى أن ( درجة كبيرة جدا من عدم المساواة ليست شرا كدرجة صغيرة جدا من عدم التأكد) (4) .

    ويتطلب مبدأ اليقين أن لا يكون أي عنصر للتحكم في الضريبة أي يجب أن لا تترك لمزاج الإدارة الضريبية، وبالتالي تصبح الضريبة معروفة مما يسمح للمكلف التكيف مع الضريبة وتقليص إنعكاساتها السلبية، بالإضافة إلى ذلك يسمح بالحكومة تقدير حصيلة الضرائب المختلفة والمقترح فرضها والوقت الذي يتوقع فيه ذلك مما يمكنها تنفيذ برنامجها المالي.

    ولتحقيق مبدأ اليقين يجب مراعاة الإعتبارات التالية :

    - الوضوح في التشريع، بمعنى أن تكون النصوص واضحة وسهلة الأسلوب دون تعقيد وألا يحتمل اللفظ الواحد أكثر من معنى، وألا تحتمل الجملة أكثر من تفسير.

    - يجب أن تقوم السلطة الموكل إليها فرض الضريبة وتحصيلها بإعداد النماذج السهلة والبسيطة والتي يفهمها عامة الممولين، وأن تساعدهم على تفهم القانون عن طريق منشوراتها ومقالاتها في وسائل الإعلام المختلفة.

    - يجب أن تكون المذكرات الإيضاحية للقوانين الضريبية والأعمال التحضيرية لهذه القوانين مفصلة بحيث لا تحتاج للإجتهاد.

    • مبدأ الملاءمة في التحصيل

    يقضي هذا المبدأ ضرورة تبسيط إجراءات التحصيل، وإختيار الأوقات والأساليب التي تتلاءم مع ظروف المكلف، حتى لا يتضرر من الضريبة حين دفعها، فحسب آدم سميث ( تجبى الضريبة في الأوقات والطرق الأكثر ملاءمة للممول). وفي هذا السياق يجب أن تكون المطالبة بدفع الضريبة في وقت يناسب الممول وبالكيفية الملائمة له بحيث لا يترتب عنه إضرار بالخزينة العمومية ولا إرهاق للممول، ولتحقيق ذلك يجب مراعاة الإعتبارات التالية :

    - يجب أن يتصف النظام الضريبي بالشفافية حتى يسمح للمكلف بتحديد ما يستحق عليه من ضرائب .

    - بالنسبة للضرائب غير المباشرة تكون متضمنة في سعر السلعة، لذلك يعتبر وقت الشراء أحسن الأوقات ملاءمة للممول بحيث يكون قادرا على الدفع لأنه يختار وقت الشراء الذي يناسبه.

    - بالنسبة للضرائب المباشرة يجب إتباع طريقة التقسيط على فترات تتلاءم مع فترات السيولة النقدية المتوفرة لدى الممول .

    - يجب أن ينظر إلى مديني الضرائب وخاصة المعسرين منهم باهتمام، وبحث الأسباب في تراكم الديون الضريبية، ومحاولة تسوية وضعيتهم في الآجال الممكنة دون الإضرار بنشاطهم العادي.

    بالنسبة للنظام الضريبي الجزائري نلاحظ أن مبدأ الملاءمة في التحصيل محترم نسبيا، فإذا نظرنا إلى الضرائب على المرتبات والأجور فإنها تقتطع من الأجر حين دفع المرتب، أي عند نهاية كل شهر، فهو أفضل وقت بالنسبة للموظفين، كما يعفيهم من إجراءات الدفع حيث تتكفل المؤسسة المعنية بذلك، أما إذا نظرنا إلى الضريبة الإجمالية على الدخل (IRG ) أو الضريبة على أرباح الشركات (IBS )، فإن تلك الضريبة تدفع بالتقسيط كل ثلاثي مما يخفف وقعها على خزينة المؤسسة.

    * مبدأ الإقتصاد في نفقات التحصيل

    يقضي هذا المبدأ ضرورة تخفيض نفقات تحصيل الضرائب، بحيث يتحقق الفرق بين ما يدفعه المكلف بالضريبة وما يصل إلى خزينة الدولة يكون أقل ما يمكن، لأن أي زيادة في أعباء الضريبة سوف يقلل من مداخيل خزينة الدولة، أو بعبارة أخرى كلما قلت نفقات الجباية كلما كان إيراد الضريبة غزيرا. فحسب آدم سميث ( تطبيق الضريبة وجبايتها بطريقة تخرج من الممول أقل مبالغ ممكنة زيادة على ما يدخل خزانة الدولة).

    وعلى هذا الأساس يهدف مبدأ الإقتصاد إلى وفرة حصيلة الضرائب، إلا أن التنظيم الفني للضريبة يتطلب عدة عمليات إذ تشمل على تحديد وعاء الضريبة، ثم تصفية الضريبة لتتبعها عملية التحصيل، بالإضافة إلى عملية المراقبة للتأكد من صحة تصريح المكلف، وتتطلب جميع هذه العمليات جهازا إداريا ضخما، وبتوسع هذا الجهاز يخشى على حصيلة الضرائب أن تفقد وجودها فتصبح تكاليف التحصيل أكبر من الحصيلة الضريبية، ولتجنب ذلك الوضع يجب مراعاة الإعتبارات التالية:

    - عملية تعيين الموظفين في مصلحة الضرائب يكون حسب الحاجة وليس لاعتبارات أخرى لأن أجور الموظفين تمثل نفقات تجاه خزينة الدولة، كما يجب إختيار الموظفين الذين لهم كفاءة ومستوى علمي عالي.

    - إستعمال التقنيات المتطورة مثل الحسوب بغية ربح الوقت وإتقان العمل.

    - يجب تطبيق الضرائب التي لا تتطلب نفقات كبيرة في فرضها وتحصيلها، وتجنب فرض الضرائب التي تحتاج إلى نفقات متزايدة، وفي هذا المجال نجد الضرائب على مجموع الدخل أحسن من الضرائب النوعية.

    - حسن إستعمال الوثائق الضريبية حيث تكاليفها على حساب إدارة الضرائب وتقدم مجانا للمكلفين، بالنسبة في الجزائر نلاحظ إستعمال هذه الوثائق غير منضبط من قبل الموظفين، كما أن عملية إصدار وثائق جديدة مثل (G 50) التي عوضت وثائق قديمة، قد كلف إدارة الضرائب خسائر باهضة لوجود مخزون من الوثائق القديمة التي لم يعد لها أي استعمال.

    * مبدأ المرونة

    تتبنى كل دولة نظاما ضريبيا يتلاءم مع نظامها وهيكلها الإقتصادي، ومرحلة التطور التي يشهدها، إذ تعكس طبيعة النظام الضريبي في دولة ما جميع التطورات الإقتصادية والإجتماعية التي مرت بها سابقا والسائدة حاليا، والتي صاغت طبيعة النظام الضريبي المتبع، لذا يجب على النظام الضريبي الفعّال أن يكون وليد ظرفه وزمانه، ولتحقيق ذلك يجب أن يتصف بالمرونة الكافية، والتي تسمح باستمراره كعنصر متطور وفعال في النظام المالي للدولة، كما أن تغير الظروف الإقتصادية والإجتماعية والسياسية قد يحول النظام الضريبي الفعّال إلى نظام ضريبي غير فعّال لا يتلاءم مع الوضع الجديد، لذا تضطر الدولة إلى تعديل النظام الضريبي القائم وجعله أكثر تكيفا مع الواقع المعاش، مما يستدعي مرونة النظام الضريبي حتى يستجيب بسهولة للتغيرات الداخلية والخارجية، ويتوقف ذلك على مدى قابلية الضريبة للتغيير بسرعة (5) طبقا للظروف الجديدة، وبالتالي يصبح النظام الضريبي ديناميكي.

    * مبدأ الإستقرار

    نقصد باستقرار النظام الضريبي وجود درجة عالية من ثبات طبيعة الضرائب وإجراءات ومواعيد تحصيلها، أي عدم تعرضها للتغيير المستمر، حيث تؤدي التعديلات الدائمة إلى صعوبة وظيفة إدارة الضرائب في ربط وتحصيل الضرائب وكذلك بالنسبة للممول الذي يجد صعوبة في التكيف مع النظام الضريبي الذي يشهد تعديلات متتالية. لذلك يجب على المشرع أن يراعي إستقرار النظام الضريبي حتى يتعود عليه كل من المكلف وموظفي إدارة الضرائب، ولا نقصد باستقرار النظام الضريبي جمود هذا النظام ورفضه لكل إصلاح بل يجب أن يتطور وفق التغييرات التي يفرضها الواقع، وفي هذه الحالة يجب على المشرع التأكد من ضرورة أي تعديل ودراسة مختلف الآثار الناتجة عنه، كما يجب إعلام المكلفين بأي تغيير عن طريق وسائل الإعلام المختلفة حتى يكون المكلف على علم بمستجدات النظام الضريبي مما يساعد على تقبله لذلك التغيير دون أي إحتجاج.

    * مبدأ التنسيق

    نقصد بالتنسيق الضريبي ذلك الترابط والإنسجام بين مختلف الضرائب التي يتضمنها النظام الضريبي، وتبرز أهمية هذا التنسيق عند زيادة أو تخفيض معدلات ضريبية قائمة، أو عند فرض ضريبة جديدة وإختيار عناصر وعائها، أو عند تقرير بعض الإعفاءات الضريبية. وتكمن أهمية التنسيق الضريبي في الحفاظ على وحدة الهدف الذي يسعى النظام الضريبي تحقيقه، وفي هذا السياق يجب مراعاة الإعتبارات التالية : (6)

    - تجنب تراكب الضرائب الذي ينطوي على إحتمال سريان عدة ضرائب على نفس العناصر، على وضع قد يؤدي إلى أن تتجاوز أعباؤها حدود المقدرة التكليفية للمكلفين مما يدفعهم إلى التهرب من دفعها.

    - مراعاة الإرتباط بين الضرائب المختلفة التي يضمها النظام الضريبي، بحيث يتعين السعي لزيادة حصيلة ضريبة معينة لتعويض النقص في حصيلة ضريبة أخرى إقتضت الظروف الحد من حصيلتها، ومن أمثلة ذلك نجد إرتباط التوسع في فرض الضريبة الفرنسية على القيمة المضافة بالنسبة لتجارة التجزئة بإلغاء الضريبة المحلية عليها التي كانت تحقق حصيلة معتبرة.

    - تجنب إحداث أي تصدع في الهيكل الضريبي نتيجة عدم إخضاع بعض العناصر التي يجب إخضاعها للضريبة، وذلك لتحقيق إنسجام النظام الضريبي ، لذلك يجب إخضاع جميع السلع ذات الطبيعة الواحدة أو البديلة للضريبة.

    - مراعاة عدالة النظام الضريبي في مجموعه حتى لا يؤدي فرض ضريبة جديدة أو إلغاء ضريبة قديمة إلى الإخلال بأبعاد هذه الضريبة التي لا يقتصر السعي إلى تحقيقها بالنسبة لكل ضريبة على حدة بل على مستوى النظام الضريبي ككل، فقد يضم النظام الضريبي بعض الضرائب التي يمكن الحكم بعدم عدالتها بمعزل عن غيرها في حين أن هذه العدالة تتحقق على مستوى النظام في مجموعه.

    بالإضافة إلى ما سبق يجب أن يكون آثار الضرائب منسجمة مع الأهداف الإقتصادية والإجتماعية التي حددتها الدولة، كما يجب أن تكون السياسة الضريبية أكثر إيجابية بحيث تساهم في الإستقرار الإقتصادي والتنمية الإقتصادية كما يجب أن تتكامل مع السياسة النقدية بتنسيق كامل مع السياسة الإقتصادية التي تتبناها الدولة.

    يتضح مما سبق وجود عدة مبادئ ترتبط بفعّالية النظام الضريبي لكن من الصعب تحقيقها كلية حيث أنها غير قابلة للقياس، كما أنها قد تتعارض فيما بينها، إذ أن البحث عن الشفافية أو المرونة قد لا يحقق بساطة وعدالة النظام الضريبي.(7)
    2/ التنظيم الفني الضريبي الجيد

    يهتم التنظيم الفني الضريبي بمختلف العمليات الضرورية لفرض الضريبة، وذلك من خلال تحديد وتقدير وعاء الضريبة، ثم طريقة حساب الضريبة وأخيرا عملية تحصيل قيمة الضريبة. ويكمن التنظيم الفني الضريبي الجيد في اتخاذ أفضل الأساليب بالنسبة لجميع العمليات السابقة، و التي نلخصها فيما يلي :

    - تفضيل الضريبة على الدخل الصافي على حساب رأس المال وإنفاق الدخل

    - تفضيل الضريبة على الدخل العام على حساب الضريبة النوعية
    - تفضيل الضريبة التصاعدية على حساب الضريبة النسبية

    - تفضيل التقدير الحقيقي على حساب التقدير الجزافي

    - تفضيل الحجز من المنبع على حساب الدفع المباشر
    3/ كفاءة الإدارة الضريبية

    تشكل إدارة الضرائب الجهاز المكلف بتطبيق التشريع الضريبي والتحقق من سلامة ذلك التطبيق حماية لحقوق الدولة من جهة وحقوق الممولين من جهة أخرى، بالإضافة إلى إقتراح التعديلات والتشريعات الضريبية قصد تحسين كفاءة النظام الضريبي. لذلك قد تؤدي الإدارة الضريبية دورا هاما في خلق البيئة الضريبية الملائمة في المجتمع كما يمكنها أن تساهم في فعّالية النظام الضريبي، إذ أن (النظام الضريبي الأحسن تصورا لا تكون له قيمة إلا بفضل الإدارة التي تطبقه) (Cool .

    يتطلب نجاح إدارة الضرائب في تأدية وظائفها توفر عدة مقومات نجملها فيما يلي :

    - توفر العناصر الفنية والإدارية ذات الكفاءة العالية والخبرة الواسعة وذلك من خلال تكوين متخصص في الضرائب، والذي يرفع مستوى تأهيل وتدريب تلك العناصر مع وضع برنامج تكوين دوري قصير المدى لتلك العناصر كلما كان جديد في الميدان الضريبي.

    - ترقية الحوار بين الإدارة والمكلف لتحسين العلاقة بينهما وكسب ثقة المكلف

    - يجب على الإدارة الضريبية أن تضمن أحسن تطبيق للنظام الضريبي وتؤمن له الظروف الموضوعية لأخلاقيات العمل الضريبي ومردوديته التامة.(9)

    -وضع نظم رقابة ضريبية فعّالة، والتي تتميز بدقتها وسرعة إكتشاف مختلف المخالفات المرتكبة، مع فرض العقوبات المناسبة لمرتكبيها.

    -القضاء على السلوك الإداري البيروقراطي حيث أن هذا الأخير يؤثر سلبا على مردودية النظام الضريبي.

    -تزويد مختلف الإدارات الضريبية بأجهزة الإعلام الآلي قصد إتقان العمل وسرعة تنفيذه، كما يمكن حصر جميع المكلفين وتحديد ما يستحق عليهم من ضرائب.

    - تبسيط قوانين الضرائب وإجراءات تنفيذها حتى يسهل عمل موظفي إدارة الضرائب من جهة، وتخفيض حجم المنازعات الضريبية التي قد تنشأ بين المكلفين وإدارة الضرائب .

    - إقامة تعاون وثيق بين إدارة الضرائب ومختلف الإدارات الحكومية مثل إدارة الجمارك والبنوك، قصد تزويد إدارة الضرائب بما تحتاجه من معلومات وتوضيحات حول نشاط المكلفين، ونشير أن ذلك التعاون يجب أن يتحقق بين مختلف الإدارات الضريبية مثل إدارة مفتشية الضرائب وإدارة تحصيل الضرائب، حتى يسهل متابعة وضعية المكلفين.

    بالإضافة لما سبق ظهرت أراء تنادي بضرورة وجود هيأة تتولى دراسة المشكلات التي تتعرض لها إدارة الضرائب، بالإضافة إلى متابعة و البحث عن إمكانية الإستفادة من البحوث والدراسات الفنية التي تقوم بها مختلف الدول في الميدان الضريبي.


    رابعا : تشخيص فعالية الضرائب الجديدة للإصلاح الضريبي

    في سنة 1987 قامت الجزائر بإنشاء لجنة وطنية للإصلاح الضريبي و التي قدمت سنة 1989 تقريرا مفصلا حول الإصلاح الضريبي في الجزائر والذي دخل حيز التنفيذ سنة 1992، ويهدف هذا الإصلاح إلى تحقيق غاية رئيسية تكمن في إنعاش الإقتصاد الوطني وخاصة تطور المؤسسة من خلال التكيف مع الديناميكية الإقتصادية (10) ، ومن أجل ذلك سطرت بعض الأهداف التي نلخصها فيما يلي : (11)

    - تجنيد إيرادات مالية كافية لتمويل وظائف الدولة

    - التوزيع الفعّال للموارد

    - عدالة النظام الضريبي

    - بساطة وإنسجام النظام الضريبي مع الدول الأخرى .

    يرتكز مضمون الإصلاح الضريبي لسنة 1992 على تأسيس ثلاثة ضرائب جديدة هي: الضريبة على الدخل الاجمالي، الضريبة على أرباح الشركات والضريبة على القيمة المضافة



    1/ الضريبة على الدخل الاجمالي

    لقد أسست الضريبة على الدخل الاجمالي من خلال قانون المالية لسنة 1991، وتنص المادة رقم (01) من قانون الضرائب المباشرة والرسوم المماثلة على ما يلي :

    (تؤسس ضريبة سنوية وحيدة على دخل الأشخاص الطبيعيين تسمى ضريبة الدخل، وتفرض هذه الضريبة على الدخل الصافي الإجمالي للمكلف بالضريبة).

    وتعتبر الضريبة على الدخل الإجمالي ضريبة مباشرة و تصاعدية حسب الجدول التالي :



    الجدول رقم 1 : السلم الضريبي على الدخل الإجمالي

    الدخل الخاضع للضريبة (دج)


    معدل الضريبة %

    لا يتجاوز 120.000


    0

    من 120.001إلى 360.000


    20

    من 360.001 إلى 1.440.000


    30

    أكثر من 1.440.000


    35



    المصدر : قانون المالية لسنة 2008 .



    إنطلاقا من الجدول السابق نضع الملاحظات التالية :

    - حدد الحد الأدنى المعفى من الضريبة بـ 120.000 دج والذي يعتبر زهيدا خاصة مع إرتفاع مستوى الأسعار وتدهور القدرة الشرائية، مع العلم أن مستوى هذا الحد يجب أن يضمن مستوى المعيشة العادي للمكلف.

    - يطبق هذا الجدول وفق التصاعد بالشرائح، بحيث يطبق معدل الضريبة الجديد على الجزء الإضافي فقط من الدخل وليس على الدخل بكامله كما هو الحال في التصاعد الإجمالي.

    - عدم مرونة التصاعدية المعتمدة، بحيث نجد طول الشريحة الأولى 120.000دج، بينما طول الشريحة الثانية 240.000 دج، أما الشريحة الثالثة فهو أكبر إذ طولها يساوي 1.080.000 دج، وهذا في الواقع لصالح الدخول المرتفعة لذلك يجب أن تكون الشريحة الأولى واسعة، حتى يمكن التخفيف من حدة التقلبات في الدخل.

    - قد تدفع تصاعدية الضريبة بالمكلف في حالة وقوع دخله في شريحة ذات معدل مرتفع، العمل على تدنية دخله لإلحاقه بشريحة ذات معدل منخفض، لذلك يجب أن يكون الانتقال في المعدل بين شريحة وأخرى بدرجة صغيرة، لتجنب تحايل المكلفين وتقليص حدة التهرب، إذ يمكن أن تخسر الخزينة من التهرب أكثر مما تحصله من التصاعدية . (12)

    - تعتبر المعدلات المدرجة في الجدول مرتفعة نوعا ما ولا تشجع على الاستثمار ، خاصة الشريحة الثانية الذي حدد ب 20 % بينما قبل سنة 2008 كان 10 % فقط .

    بالإضافة إلى الملاحظات السابقة، فإن الجدول الضريبي على الدخل الاجمالي، سواء بالنسبة لتقسيم الشرائح أو تحديد المعدلات الضريبية الموافقة لكل شريحة، نجده لا يستند على دراسات ميدانية، لذلك فإنه لا يعكس الواقع الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع الجزائري، مما ينعكس سلبا على فعّالية الضريبة على الدخل الإجمالي.

    و لتقييم IRG نضع الملاحظات التالية :

    - تتميز الضريبة على الدخل الإجمالي بالشفافية والبساطة، وذلك من خلال النظرة الإجمالية لمجموع مداخيل المكلف، وكذلك وجود ضريبة وحيدة على الدخل رغم تعدد طبيعة مداخيلها.

    - تعتمد الضريبة على الدخل الإجمالي على تصريح المكلف، ومع غياب الوعي الضريبي لدى المكلفين وضعف كفاءة إدارة الضرائب، تواجه هذه الضريبة إشكالا حول مدى نجاعة تطبيقها، مما يقلص من فعّاليتها.

    - عدم قدرة هذه الضريبة الوصول إلى الدخول الناتجة عن بعض النشاطات كمداخيل الأعمال المنزلية والمداخيل المحققة في النشاط الموازي.

    - رغم أهمية السلم المتصاعد في الإقتراب من العدالة الضريبية إلا أن صياغته تحتاج إلى مراجعة كونه لا يراعي بعض المعايير التنظيمية.

    - رغم أهمية نظام الإقتطاع من المصدر في محاربة التهرب الضريبي إلا أن إقتصاره على بعض المداخيل يطرح إشكالا حول مدى عدالته، كما أنه يشكل ضغطا على سيولة المكلف حيث طريقة تحصيله لا تحقق مبدأ الملاءمة، لذلك يجب إعادة تنظيم ذلك النظام ثم توسيع مجال تطبيقه ليشمل مداخيل أخرى.



    2/ الضريبة على أرباح الشركات

    إن من أهم الأهداف التي سعى إليها الإصلاح الجبائي لسنة 1992، يتمحور في وضع المؤسسات العمومية في نفس موضع المؤسسات الخاصة وإخضاعها لمنطق وقواعد السوق، ولتكريس هذا المسعى تم تأسيس الضريبة على أرباح الشركات بموجب المادة رقم (38) من قانون المالية لسنة 1991، حيث تنص المادة رقم (135) من قانون الضرائب المباشرة والرسوم المماثلة على مايلي :

    (تؤسس ضريبة سنوية على مجمل الأرباح أو المداخيل التي تحققها الشركات وغيرها من الأشخاص المعنويين المشار إليهم في المادة 136، وتسمى هذه الضريبة، الضريبة على أرباح الشركات).

    من خلال التعريف السابق يتضح أن الضريبة على أرباح الشركات هي ضريبة مباشرة سنوية، تفرض على الأرباح التي تحققها الأشخاص المعنوية، هذه الأخيرة تخضع اجباريا للنظام الحقيقي دون الأخذ بعين الاعتبار حجم رقم الأعمال المحقق (13) . ويندرج تأسيس ضريبة على أرباح الشركات في إطار وضع نظام ضريبي خاص بالشركات الذي يختلف عن النظام المطبق على الأشخاص الطبيعية، وهذا التمييز يبرره الإختلاف القانوني الموجود بين الشخص المعنوي والشخص الطبيعي، لذا فإن الضريبة على أرباح الشركات تلائم أكثر الشركات وهي تعمل على عصرنة جباية الشركات وجعلها أداة للإنعاش الاقتصادي . (14)

    ويسعى الإصلاح الضريبي المتعلق في فرض الضريبة على أرباح الشركات، إلى تحقيق هدفين ، فمن جهة يهدف إلى تنظيم شكلي الذي سمح بتأسيس ضريبة خاصة على الأشخاص المعنوية كشركات الأموال، ومن جهة ثانية يهدف إلى تنظيم إقتصادي الذي سمح بتخفيض العبء الضريبي المطبق على الشركات، وتمكينها من الإنعاش والنمو الاقتصادي. ومن مزايا الضريبة على أرباح الشركات ما يلي : (15)



    - تشجيع إقامة الشركات في شكل مجموعات (الشركة الأم و فروعها).

    - زيادة المزايا لصالح المساهمين من خلال تقليص الضرائب المدفوعة على الأرباح الموزعة بعد إدراج تقنية الرصيد الجبائي.

    - تخفيض الضريبة المدفوعة من خلال السماح بترحيل الخسائر السابقة إلى غاية السنة الخامسة.

    تتميز الضريبة على أرباح الشركات بعدة خصائص نجملها فيما يلي :

    - ضريبة وحيدة : حيث أنها تتعلق بضريبة واحدة تفرض على الأشخاص المعنويين.

    - ضريبة عامة : كونها تفرض على مجمل الأرباح دون التمييز لطبيعتها.

    - ضريبة سنوية : بحيث تفرض مرة واحدة في السنة على الأرباح المحققة خلال السنة.

    - ضريبة نسبية : حيث يخضع الربح الضريبي لمعدل ثابت وليس لجدول تصاعدي.

    - ضريبة تصريحية : بحيث يتعين على المكلف تقديم تصريح سنوي لجميع أرباحه (نموذج رقم 6) لدى مفتشية الضرائب التابعة للمقر الاجتماعي للمؤسسة الرئيسية، وذلك كآخر أجل نهاية شهر مارس للسنة التي تلي سنة الاستغلال.

    من خلال الخصائص السابقة للضريبة على أرباح الشركات فإن هذه الضريبة تضمن المزايا التالية :

    - الشفافية : وذلك من خلال النظرة الإجمالية لمجموع أرباح المكلف وطريقة تحديد الربح الخاضع للضريبة.

    - البساطة : سواء بالنسبة للمكلف أو لإدارة الضرائب، بحيث هؤلاء المكلفين مطالبون بتصريح وبضريبة واحدة على الأرباح، وبالتالي تسهيل عملية مسك الملفات الضريبية ومراقبتها.

    - الاقتراب من العدالة : من خلال إلغاء التمييز بين الشركات العمومية والشركات الخاصة وكذلك بين الشركات الوطنية والشركات الأجنبية (16) .

    إن إدخال الضريبة على أرباح الشركات تجسد مبدأ فصل الضرائب على دخل الأشخاص والضرائب على دخل الشركات وهي تعمل على ضبط ضريبة قطاع الإنتاج للحفاظ على خزينة وطاقة تراكم المؤسسات الإنتاجية . كما تعتبر الضريبة على أرباح الشركات أداة ترشيد جباية المؤسسة .

    و طبقا لقانون المالية التكميلي لسنة 2006 تفرض IBS بمعدل عادي يقدر ب 25 % و معدل مخفض يقدر ب 12.5 % بالنسبة للأرباح المعاد إستثمارها و يتم دفعها خلال ثلاث أقساط كما يلي :

    التسبيق الأول : يدفع قبل 20 مارس
    التسبيق الثاني : يدفع قبل 20 جوان
    التسبيق الثالت : يدفع قبل 20 نوفمبر

    وتساوي قيمة كل تسبيق 30 % الضريبة المتعلقة بالربح السنة السابقة على أن تتم التسوية عند دفع رصيد التصفية قبل 20 أفريل من السنة الموالية حيث أن :

    مربع نص: رصيد التصفية = الضريبة المستحقة - مجموع التسبيقات المدفوعة




    ويشكل وجود ثلاثة تسبيقات في دفع الضريبة على أرباح الشركات إحدى العوامل المساعدة في تخفيف الضغط على خزينة المؤسسة، وبالتالي في زيادة فعالية هذه الضريبة.

    و لتقييم الضريبة على أرباح الشركات نضع الملاحظات التالية :

    - يعمل التخفيض المستمر لمعدل الضريبة على أرباح الشركات على تخفيف العبء الضريبي على المؤسسة، ومن ثم تعزيز مركزها المالي وتوسيع قدراتها الإنتاجية. إلا أن اعتماد معدل وحيد على جميع المؤسسات دون تمييز بين القطاعات أو مراعاة لحجم تلك المؤسسات سيخفض من فعّالية تلك الضريبة، إذ قد يكون مجحفا في حق بعض المؤسسات ذات الربحية الضعيفة. لذلك فإن تلك المعاملة قد تؤثر سلبا على بعض المؤسسات ولا تشجعها على مبادرة الاستثمار.

    - يشكل المعدل المخفض 12.5% للأرباح المعاد استثمارها أداة فعّالة لتحفيز المؤسسات على التوسع وزيادة حجم الاستثمار.

    - إن تسديد هذه الضريبة في شكل ثلاث تسبيقات سيخفف العبء الضريبي على المؤسسات، كما أنه يسمح بتمويل دوري ومستمر لخزينة الدولة، وبالتالي احترام مبدأ الملائمة في التحصيل.

    - إن رفض إدارة الضرائب لبعض التكاليف، وتحديد سقف لتكاليف أخرى، يعتبر أسلوب فعّال لمكافحة التهرب الضريبي. إلاّ أن تحكم منطق السوق في الأسعار، وإنهيار قيمة العملة الوطنية، سيجعل هذا الأسلوب عائقا أمام توسع المؤسسات كون المبالغ المسموح بخصمها ضعيفة.

    3/ الرسم على القيمة المضافة

    أسس الرسم على القيمة المضافة في الجزائر بموجب قانون المالية لسنة 1991، بالمقابل ألغي النظام السابق المتشكل من الرسم الوحيد الإجمالي على الإنتاج (TUGP)، والرسم الوحيد الإجمالي على تأدية الخدمات ((TUGPS ، وذلك نتيجة المشاكل التي شهدها هذا النظام من حيث تعقده وعدم ملاءمته مع الإصلاحات التي شهدها الاقتصاد الوطني.

    إن الرسم على القيمة المضافة (TVA) وحسب تسميته يتعلق بالقيمة المضافة المنشأة خلال كل مرحلة من مراحل العمليات الاقتصادية والتجارية، وتتحدد هذه القيمة المضافة بالفرق بين الإنتاج الإجمالي والإستهلاكات الوسيطة للسلع والخدمات، كما أن الرسم على القيمة المضافة هي ضريبة غير مباشرة على الاستهلاك تجمع من طرف المؤسسة إلى فائدة الخزينة العمومية ليتحملها المستهلك النهائي.

    يعتبر الرسم على القيمة المضافة أداة ضريبية لعصرنة الإقتصاد الوطني (17) ، ضريبة حديثة واسعة التطبيق سواء في الدول المتقدمة أو النامية، وذلك لما تتمتع به هذه الضريبة من خصائص هي:

    * توسيع مجال التطبيق

    يعتبر مجال تطبيق (TVA) جد واسع بحيث أنه يتضمن العمليات الخاضعة لـ(TUGP) و(TUGPS) وعمليات أخرى مثل التجارة بالجملة والمساحات الكبرى والمهن الحرة. إن توسيع مجال تطبيق الرسم على القيمة المضافة يسمح للدولة التحكم أكثر في النشاط الاقتصادي، بالإضافة إلى الحصول على موارد إضافية هامة وبالتالي زيادة مردودية هذه الضريبة.

    * توسيع مجال الخصم

    يمنح نظام الرسم على القيمة المضافة للخاضعين لهذه الضريبة إمكانية خصم مبلغ الرسم المحمل على مشترياتهم من مبلغ الرسم المستحق على مبيعاتهم، إن مجال ذلك الخصم لم يكتفي بالخصم المادي أو المالي كما هو الشأن في (TUGP)، بل تعداه ليشمل أيضا عمليات القطاعين الإداري والتجاري، بالإضافة إلى العمليات الخاضعة بتأدية الخدمات والتي ترتبط بالنشاط الخاضع للرسم على القيمة المضافة.

    ويسمح أسلوب الخصم الجديد من جهة حيادية الضريبة، فهو لا يعرقل توسع نشاط المؤسسة بل يشجع المنافسة والمبادلات على المستوى الدولي، ومن جهة ثانية يعمل على ضبط المعاملات التجارية، بحيث يجبر التعامل بالفواتير التي تشكل الوسيلة الضرورية للاستفادة من حق الخصم.

    * تقليص عدد المعدلات

    حسب قانون المالية لسنة 2001 يحتوي نظام الرسم على القيمة المضافة على معدلين فقط عوض 18 معدل كما كان سائد في النظام السابق، ويطبق المعدلين على أساس رقم الأعمال غير متضمن للرسم (HT) ، بينما في النظام السابق كانت تطبق تلك المعدلات على أساس رقم الأعمال متضمن للرسم (TTC)، ويترتب على ذلك تخفيف العبء الضريبي.

    لقد أدت الخصائص السابقة إلى بساطة وسهولة تطبيق الرسم على القيمة المضافة سواء بالنسبة لإدارة الضرائب أو للمؤسسة، وقد ساهم في فعّالية النظام الضريبي.

    ويسعى المشرع تحقيق عدة أهداف من خلال تأسيس الرسم على القيمة المضافة، يمكن تصنيفها إلى قسمين كما يلي :



    • على المستوى الداخلي

    - تبسيط الضرائب غير المباشرة، وذلك بتعويض (TUGP) و(TUGPS) بضريبة واحدة هي (TVA) مع تقليص عدد المعدلات من (18) إلى (02).

    - الإنعاش الاقتصادي من خلال تخفيض تكلفة الاستثمارات

    - تشجيع الاستثمارات والمنافسة من خلال حيادية وشفافية الضريبة.

    • على المستوى الخارجي

    - حفز منافسة المؤسسات الجزائرية في الأسواق الخارجية عن طريق إلغاء العبء الضريبي الذي تتحمله المنتجات الوطنية عند تصديرها إلى الخارج.

    - إحداث إنسجام بين الضرائب غير المباشرة على المستوى المغربي علما أن المغرب إعتمد الرسم على القيمة المضافة سنة 1986م، أما تونس في سنة 1988م، وبالتالي دفع وتيرة الإتحاد المغربي.

    و يفرض الرسم على القيمة المضافة على أساس رقم الأعمال خارج الرسم بتطبيق معدل عادي 17% و معدل مخفض قدره 7 % .

    و لتقييم الرسم على القيمة المضافة نضع الملاحظات التالية :

    - يعمل الرسم على القيمة المضافة على تحفيز الاستثمار وتوسيعه بحيث سمح المشرع باسترجاع الرسم على القيمة المضافة المتعلق بمشتريات التجهيزات و وسائل الانتاج في نفس الشهر الذي اشتريت فيه، أي دون التأخير الشهري.

    - تتميز هذه الضريبة بالحياد ولا تؤثر على نتيجة المؤسسة، بحيث تؤدي المؤسسة دور الوسيط بين المستهلك النهائي وإدارة الضرائب، كما أنها لا تدرج ضمن تكاليف المؤسسة.

    - تعتبر تقنية الشراء بالاعفاء للرسم على القيمة المضافة أداة فعّالة، بحيث أنها تسمح للمؤسسة المعفية من الرسم على القيمة المضافة، بتحقيق مشتريات غير متضمنة للرسم على القيمة المضافة، ومن ثم تخفيض تكلفة الاستثمار.

    - تسمح هذه الضريبة بتوفير إيرادات كبيرة لخزينة الدولة وعلى مدار السنة، نظرا لاتساع تطبيقها، ومواعيد تحصيلها الشهرية.

    رغم المزايا السابقة للرسم على القيمة المضافة إلا أننا نسجل النقائص التالية :

    - عدم عدالة هذه الضريبة حيث أنها نسبية ولا تراعي المقدرة التكليفية للمستهلك.

    - رغم حيادية الرسم على القيمة المضافة على نتيجة المؤسسة إلا أن خزينة المؤسسة قد تتأثر سلبا، وذلك من خلال التأخير الشهري لاسترجاع الرسم المحمل على مشتريات البضائع والخدمات، ضف إلى ذلك فإن دفع الرسم على المشتريات يتم مباشرة عند إقتناء البضاعة، بينما البيع قد يتم على الحساب، وفي هذا الوضع تطرح مشكلة السيولة النقدية على مستوى خزينة المؤسسة.

    - يشكل ضعف الوسائل المادية والبشرية لإدارة الضرائب عائقا لفعالية هذه الضريبة، بحيث يسمح لبعض التجار غير النزهاء التهرب من الضريبة على القيمة المضافة، من خلال تضخيم الرسوم القابلة للإسترجاع باستعمال فواتير شراء وهمية، أو بتخفيض مبالغ المبيعات عن قيمتها الحقيقية.

    خامسا : ترقية فعالية النظام الضريبي الجزائري

    قصد تحسين فعالية النظام الضريبي الجزائري نضع الإقتراحات التالية :

    - رغم تخفيف العبء الضريبي على المكلف من خلال تخفيض معظم المعدلات الضريبية إلا أن ذلك غير كافي بحيث يجب أن تستند طريقة تحديد المعدلات الضريبية على دراسات ميدانية حتى تعكس واقع المجتمع الجزائري .

    - ضرورة إنشاء لجنة لدى المديرية العامة للضرائب توكل لها مهمة مراجعة التشريع الضريبي قصد تحديد ثم معالجة مختلف الثغرات التي يتضمنها النظام الضريبي الجزائري .

    - إصلاح شامل للإدارة الضريبية وفق المعايير الدولية في الأداء الضريبي .

    - رغم التعديلات التي عرفها النظام الضريبي الجزائري إلا أننا نعتقد وجود بعض الجوانب تحتاج إلى تعديل و التي تتمثل فيما يلي :

    * إعادة صياغة السلم المتصاعد الخاص بالضريبة على الدخل الإجمالي بشكل يقترب من العدالة الضريبية .

    * إلغاء التأخير الشهري لإسترجاع الرسم على القيمة المضافة المحمل على مشتريات البضائع و الخدمات .

    * إعادة النظر في تنظيم نظام الإقتطاع من المصدر و توسيع مجال تطبيقه ، حيث رغم أهميته في محاربة التهرب الضريبي إلا أن إقتصاره على بعض المداخيل يطرح إشكالا حول مدى عدالته، كما أنه يشكل ضغطا على سيولة المكلف، حيث أنه لا يراعي الوضعية المالية للمكلف المعني، كما أن مواعيد إستحقاقه متقدمة جدا ولا ينتظر إلى نهاية السنة.

    - ضرورة زيادة فعالية مكافحة التهرب الضريبي من خلال توفر إرادة سياسية قوية لمكافحة التهرب و نشر الوعي الضريبي .

    - ضرورة توفير الإستقرار السياسي والإقتصادي إلى جانب تطهير الإدارة من العراقيل والبيروقراطية والمحسوبية، بالإضافة إلى ذلك يجب توفير بيئة ملائمة للإستثمار من خلال توفير جميع الهياكل القاعدية الضرورية لإقامة الإستثمار، مع ضرورة وجود مصادر للتموين بالمواد الأولية وتوفر اليد العاملة المؤهلة
    - العمل على تبسيط الإجراءات الإدارية المتعلقة بربط وتحصيل الضريبة .

    - ضرورة الإعلان عن عفو ضريبي شامل يسمح المتهربين وأصحاب الأنشطة غير الشرعية من الإنتظام لدى إدارة الضرائب، وإعادة جدولة الضرائـب المترتبة عليهم لصالح النظام الضريبي.

    - تحسين الموارد البشرية والتقنية لإدارة الضرائب، وفي هذا المجال نلح على ضرورة تعميم الإعلام الآلي في جميع الإدارات الضريبية.

    - تبسيط قانون الضرائب وإجراءات تنفيذه ، حتى يسهل على المكلف فهم ذلك القانون ومن ثم إحترامه.

    - إعادة النظر في أجور موظفي مصلحة الضرائب، وذلك لتحفيزهم على رفع مردودية العمل وإبعادهم عن إغراءات الممولين.

    - رفع مستوى موظفي جهاز الضرائب، من خلال تكوين متخصص في الضرائب والذي يعمل على رفع مستوى تأهيل وتدريب تلك العناصر، مع وضع برنامج تكوين دوري قصير المدى لتلك العناصر كلما كان جديد في الميدان الضريبي.

    - إقامة تعاون مستمر بين إدارة الضرائب ومختلف الإدارات الحكومية، وينتج عن هذا التعاون تزويد إدارة الضرائب بما تحتاجه من معلومات وتوضيحات حول نشاط المكلفين.

    - اللجوء إلى التعاون الدولي في إطار تبادل المعلومات التي تفيد في الكشف عن الوضعية المالية للمكلف. ويتم ذلك من خلال عقد إتفاقات دولية لمكافحة التهرب الضريبي.
    الخاتمة

    لقد ساهم الإصلاح الضريبي في زيادة المردودية المالية لمختلف الضرائب، لكنه ما زال بعيدا عن الطموحات المعلنة في إطار السياسة الضريبية المنتهجة والتي محورها الأساسي يكمن في إحلال الجباية العادية محل الجباية البترولية، كما أن هيمنة الضرائب غير المباشرة في هيكل النظام الضريبي لا يدعم فعّالية النظام الضريبي لعدم عدالة تلك الضرائب. لذلك يجب على المشرع الضريبي التخفيف من حجم تلك الضرائب والإعتماد أكثر على الضرائب المباشرة من خلال تشجيع الاستثمار، وتحسين تنظيم وإدارة المؤسسات العمومية وبالتالي تحسين المنتوج الضريبي المترتب عن نشاطها، ضف إلى ذلك يجب تحسين التحصيل الضريبي ومكافحة ظاهرة التهرب الضريبي من خلال نشر الوعي الضريبي قصد تغيير الذهنيات المعادية للضريبة والاهتمام أكثر بالادارة الضريبية حتى تؤدي مهامها على الوجه الكامل.
    الهوامش:

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت يوليو 26, 2014 1:03 am